اسماعيل بن محمد القونوي

282

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

استعمال كلمة ان المستعملة في المشكوك في المحقق مبني على جعل المخاطب كأنه شاك فيه قصدا إلى نسبة الجهل بارتكابه الإسراف فإن من عصى اللّه جاهل حتى ينتزع من جهالته فصور الشرط بصورة ما يفرض وجوده وإلى هذا التفصيل أشار المصنف بقوله استجهالا لهم أي نسبة الجهل إليهم وهذا مسلك صاحب الكشاف وقال صاحب التلخيص وقد يستعمل أن في مقام الجزم للتوبيخ أي لتعيير المخاطب على الشرط وتصوير أن المقام لاشتماله على ما يقلع الشرط عن أصله لا يصلح أي ذلك المقام إلا لفرضه أي لفرض الشرط مع أنه محقق ثابت بداهة نحو أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ فإن الشرط وهو كونهم مسرفين أي مشركين مقطوع به لكن جيء بلفظ أن لقصد التوبيخ على الإسراف وتصور أن الإسراف من العاقل في هذا المقام يجب أن لا يكون إلا على مجرد الفرض والتقدير ولا تعرض هنا لتنزيل المخاطب العالم منزلة الجاهل لأنه نكتة أخرى مقابلة لنكتة التوبيخ كما لا تعرض في الوجه الأول لتوبيخ المخاطب فاحذر عن خلط أحد الوجهين بالآخر وأما كون الشرط الإسراف في المستقبل وهو ليس بمتحقق فلا يحتاج إلى تأويله بما ذكر فجوابه أما أولا فلأن الظاهر من حال المسرف بقاؤه على حاله ومثل هذا يعد في العرف جزما بل الصواب أن المراد هو الإسراف في الماضي المتحقق في الحال ومن ثمة قال الكوفيون إن إن هنا بمعنى إذ وعند المبرد والزجاج أن كلمة أن لا تقلب كان إلى معنى الاستقبال لتمحضه للزمان مع كثرة استعماله كذا في شرح المفتاح للسيد قدس سره . قوله : ( وما قبلها دليل الجزاء ) المحذوف أو هو نفس الجزاء عند من جوز الجزاء المتقدم . قوله تعالى : [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 6 ] وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ( 6 ) قوله : ( وَكَمْ أَرْسَلْنا [ الزخرف : 6 ] ) كم خبرية مفعول أرسلنا قوله في الأولين متعلق بأرسلنا والأولى ظرف مستقر صفة نبي وهو تقدير لما قبله ببيان أن إسراف الأمم شاكون في اتصافهم برذيله الإسراف لأن مقتضى العلم بالرذائل المذمومة أن يتركها العالم بها ولا يتصف بشيء منها قال صاحب الكشاف هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن المذل بصحة الأمر المتحقق لثبوته كما يقول الأجير ان كنت عملت لك فوفني حقي وهو عالم بذلك ولكن يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه استجهالا له قال الطيبي وكذلك أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ [ الزخرف : 5 ] استجهالا لهم في أنهم في معرفتهم أن القرآن عربي مبين وقد أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان ما يحتاج الأمة في أبواب الديانة فرطوا فيه مثل تفريط من لم يعرف ذلك وشك فيه فالتعريف في الذكر للعهد الخارجي التقديري لأن قوله قرآنا عربيا في معنى الذكر ونقول الذكر مظهر وقع في مقام المضمر من غير لفظ سابق إشعارا بالعلية والمراد به الشرف والصيت . قوله : وما قبلها دليل الجزاء أي وما قبل هذه الآية وهو قوله أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً